Print this page

مشروع مجلة المحروقات الجديدة: تونس تستعد لكتابة قواعد جديدة  للنفط والغاز تحت ضغط العجز الطاقي

تتجه تونس نحو مراجعة الإطار القانوني المنظم

لقطاع المحروقات في خطوة تكتسي أهمية اقتصادية متزايدة في ظل تراجع الإنتاج المحلي من النفط والغاز، وارتفاع الاعتماد على الواردات واتساع الضغوط على الميزان التجاري ولا يتعلق الأمر بمجرد تعديل تشريعي بل بإعادة تنظيم أحد القطاعات المرتبطة مباشرة بأمن الطاقة والتوازنات المالية وقدرة الاقتصاد التونسي على استقطاب الاستثمارات.

أعاد إعلان صلاح الزواري وزير التجهيز والإسكان المكلف بتسيير وزارة الصناعة والمناجم والطاقة في أكتوبر 2026 بشأن التوجه نحو إصدار مجلة جديدة للمحروقات هذا الملف إلى صدارة النقاش الاقتصادي.
يتزامن التوجه التشريعي مع توجه رسمي لتعزيز الاستثمار في الغاز خلال الفترة 2026-2030، وتطوير صيغ الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يتيح تعبئة موارد مالية وخبرات فنية إضافية لأنشطة الاستكشاف والإنتاج.
وتبرز أهمية هذه الخطوة في توقيتها تحديداً إذ تواجه تونس معادلة طاقية صعبة، عنوانها تراجع الموارد المحلية مقابل استمرار الطلب على الطاقة، وما يترتب عن ذلك من ضغط على الواردات والمالية العمومية ومن ثم، فإن نجاح الإصلاح لن يتوقف على صدور نص قانوني جديد، بل على قدرته على تحويل الإمكانات المتاحة إلى استثمارات فعلية وإنتاج إضافي قابل للاستمرار.
إطار تشريعي أمام اختبار التحديث
يخضع قطاع المحروقات في تونس أساساً لأحكام مجلة المحروقات الصادرة بموجب القانون عدد 93 لسنة 1999، التي خضعت لتنقيحات لاحقة، من بينها القانون عدد 41 لسنة 2017. وقد سبق أن طُرح تعديل الإطار القانوني للقطاع على المستوى الحكومي، في ظل الصعوبات المرتبطة بإجراءات الاستثمار والتراخيص وتطوير أنشطة البحث والتنقيب.
تأتي المجلة الجديدة المرتقبة في سياق الحاجة إلى مراجعة قواعد تنظيم القطاع، وتوضيح العلاقة بين الدولة والمستثمرين، وتطوير الآليات القانونية التي تحكم إسناد الامتيازات ومتابعة تنفيذ العقود. كما تتيح هذه المراجعة فرصة لمعالجة التعقيدات الإجرائية التي قد تؤثر في آجال إنجاز المشاريع وفي قدرة تونس على المنافسة على رؤوس الأموال والخبرات الدولية.
غير أن تحديث التشريعات لا يحقق النتائج المرجوة بصورة آلية. فالمستثمر في قطاع النفط والغاز يتخذ قراراته على أساس مجموعة من العوامل، من بينها وضوح القواعد القانونية واستقرار الشروط التعاقدية والشفافية في إسناد التراخيص، وإمكانية تسوية النزاعات، إلى جانب حجم الموارد المتاحة وكلفة استخراجها لذلك فإن جاذبية المجلة الجديدة ستتحدد بمدى قدرتها على توفير إطار واضح وقابل للتطبيق لا بمجرد تغيير النصوص القائمة.
العجز الطاقي و كلفة التأخير
تكشف المؤشرات الرسمية حجم التحدي الذي تواجهه تونس. فقد بلغت نسبة الاستقلالية الطاقية نحو 32 % مع نهاية أوت 2026، مقابل 36 % خلال الفترة نفسها من  سنة 2025، وفق بيانات وزارة الصناعة والمناجم والطاقة كما تراجع معدل إنتاج النفط الخام إلى نحو 25.7 ألف برميل يومياً، مقارنة بـ26.2 ألف برميل يومياً قبل عام.
وتعكس هذه الأرقام استمرار الضغوط على الإنتاج المحلي، في وقت تظل فيه حاجات البلاد من الطاقة مرتبطة بدرجة مهمة بالأسواق الخارجية. ويترجم هذا الوضع إلى كلفة إضافية على التجارة الخارجية، فضلاً عن تعرض الاقتصاد لتقلبات أسعار النفط والغاز وتغيرات العرض والطلب عالمياً.
وتؤكد بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن واردات المنتجات الطاقية بلغت نحو 13.83 مليار دينار خلال عام 2025، مقابل صادرات في حدود 2.69 مليار دينار، بما أفرز عجزاً تجارياً طاقياً يقارب 11.14 مليار دينار. وتبرز هذه الفجوة مدى أهمية أي تحسن مستدام في الإنتاج المحلي، وإن كان تقليصها يظل مرتبطاً أيضاً بتطور الأسعار العالمية وحجم الاستهلاك وتكلفة التوريد.
يكتسب التوجه نحو تطوير إنتاج الغاز في هذا السياق،  أهمية خاصة بالنظر إلى دوره في منظومة الكهرباء والطاقة التونسية. غير أن رفع الإنتاج يظل رهيناً بوجود اكتشافات مجدية اقتصادياً، وتوافر التمويل والتكنولوجيا والبنية التحتية، فضلاً عن قدرة المشاريع على الانتقال من مرحلة الاستكشاف إلى الإنتاج التجاري في آجال معقولة.
الشراكة والاستثمار

يمثل تطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص أحد المسارات المطروحة لتعبئة الاستثمارات اللازمة للقطاع. فمن شأن الشراكات المدروسة أن تتيح الاستفادة من الخبرات الفنية والقدرات التمويلية للمستثمرين، وأن تساعد على تطوير الحقول القائمة واستكشاف إمكانات جديدة خصوصاً في الأنشطة التي تتطلب إنفاقاً مرتفعاً وتنطوي على مخاطر جيولوجية وتجارية.
لكن توسيع المشاركة الخاصة لا ينبغي أن يكون هدفاً في حد ذاته فالمعيار الأساسي يتمثل في قدرة المشاريع على تحقيق عائد اقتصادي واضح، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتوفير فرص العمل ونقل المعرفة، مع ضمان حقوق الدولة في مواردها الطبيعية. ويتطلب ذلك عقوداً شفافة، وتوزيعاً واضحاً للمخاطر والمسؤوليات، ورقابة فعالة على الالتزامات المالية والبيئية.
كما أن تحسين مناخ الاستثمار يقتضي معالجة العوامل التي تتجاوز النصوص القانونية، بما في ذلك سرعة الإجراءات الإدارية، وجودة المعطيات الجيولوجية ووضوح القرارات التنظيمية واستقرار السياسات العمومية فالإصلاح التشريعي يمكن أن يهيئ الظروف للاستثمار، لكنه لا يستطيع وحده ضمان تدفقه أو تحويله إلى إنتاج إضافي.
إصلاح منظومة المحروقات
على الرغم من أهمية تطوير النفط والغاز فإن معالجة الاختلال الطاقي تتطلب مقاربة تتجاوز المحروقات التقليدية فالاستثمارات الجديدة في الإنتاج المحلي ينبغي أن تتكامل مع التوسع في الطاقات المتجددة وتحسين كفاءة الاستهلاك، وتطوير البنية التحتية بما يقلص تدريجياً التعرض لتقلبات الأسواق الخارجية.
تشير القدرة الكهربائية المركزة من الطاقات المتجددة، التي بلغت نحو 1186 ميغاواط حتى نهاية أوت 2026، إلى وجود مسار موازٍ يتعين تعزيزه ضمن سياسة طاقية متكاملة. ولا يتمثل التحدي في المفاضلة بين الغاز والطاقة المتجددة، بل في تحديد الدور الاقتصادي لكل منهما، وتوجيه الاستثمارات وفق الكلفة والجدوى والأمن الطاقي والالتزامات البيئية.
في النهاية تمثل مجلة المحروقات الجديدة اختباراً لقدرة تونس على تحويل الإصلاح القانوني إلى نتائج اقتصادية قابلة للقياس. فالمعيار لن يكون تاريخ إصدارها بل ما إذا كانت ستسهم في تسريع الاستثمار، وتحسين الإنتاج وتخفيف الضغط على الواردات، وضمان إدارة أكثر شفافية ونجاعة للموارد الوطنية.
وبين الحاجة إلى استقطاب المستثمرين وضرورة حماية المصلحة العامة، سيكون التحدي الحقيقي هو بناء إطار يوازن بين جاذبية الاستثمار وحقوق الدولة، وبين الاستغلال الاقتصادي المسؤول واستدامة الخيارات الطاقية عندها فقط يمكن أن تتحول المجلة الجديدة من استجابة لضغوط العجز إلى خطوة عملية في اتجاه تقليص التبعية الطاقية وتعزيز قدرة الاقتصاد التونسي على مواجهة تقلبات المستقبل.

المشاركة في هذا المقال